محمد جمال الدين القاسمي
336
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وإنما قال ذلك لأن المضاربة كانت معروفة بينهم . والعهد بالرسول قريب . لم يحدث بعده . فعلم أنها كانت معروفة بينهم على عهد الرسول . كما كانت الفلاحة وغيرها من الصناعات كالخياطة والخرازة . وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص . لكن كان النص عند غيرهم . وابن جرير وطائفة يقولون : لا ينعقد الإجماع إلا من نص نقلوه عن الرسول . مع قولهم بصحة القياس . ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى ، كما نقل الأخبار ، ولكن استقرينا موارد الإجماع فوجدنا كلها منصوصة . وكثر من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة . كما أنه قد يحتج بقياس ، وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع . كما يكون في المسألة نص خاص وقد استدل فيها بعموم . كاستدلال ابن مسعود وغيره بقوله تعالى : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ الطلاق : 4 ] . وقال ابن مسعود « 1 » : سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى . أي : بعد البقرة . وقوله : أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، يقتضي انحصار الأجل في ذلك . فلو أوجب عليها أن تعتد بأبعد الأجلين لم يكن أجلها أن تضع حملها . وعليّ وابن عباس وغيرهما أدخلوها في عموم الآيتين . وجاء النص الخاص في قصة « 2 » سبيعة الأسلمية بما يوافق قول ابن مسعود . وكذلك . لما تنازعوا في المفوضة إذا مات زوجها هل لها مهر المثل ، أفتى
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 65 - سورة الطلاق ، 2 - باب وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ، وَأُولاتُ الْأَحْمالِ ، حديث 2061 ونصه : عن أيوب عن محمد قال : كنت في حلقة فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى . وكان أصحابه يعظمونه . فذكر آخر الأجلين . فحدّثت بحديث سبيعة بنت الحارث ، عن عبد الله بن عتبة . قال فضمّز لي بعض أصحابه . قال محمد : ففطنت له . فقلت : إني إذا لجريء إن كذبت على عبد الله ابن عتبة ، وهو في ناحية الكوفة . فاستحيا وقال : لكن عمّه لم يقل ذلك . فلقيت أبا عطية مالك بن عمر . فسألته فذهب يحدثني حديث سبيعة . فقلت : هل سمعت عن عبد الله فيها شيئا ؟ فقال : كنا عند عبد الله فقال : أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة ؟ لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ . ( 2 ) أخرجها البخاريّ في : التفسير ، 65 - سورة الطلاق ، 2 - باب وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ، وَأُولاتُ الْأَحْمالِ ، حديث 2061 . عن يحيى قال : أخبرني أبو سلمة قال : جاء رجل إلى ابن عباس ؟ وأبو هريرة جالس عنده . فقال : أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة . فقال ابن عباس : آخر الأجلين . قلت أنا : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ . قال أبو هريرة : أنا مع ابن أخي ( يعني : أبا سلمة ) فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها . فقالت : قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى . فوضعت بعد موته بأربعين ليلة ، فخطبت . فأنكحها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكان أبو السنابل فيمن خطبها .